جيرار جهامي

مقدمة 18

موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )

ما نستنتجه من دائرة المعارف والعلوم هذه ، يكمن في أن همّ ابن سينا قد بقي منصبّا على إدراك الحقيقة بمختلف الوسائل التي يمكن أن تتوفّر للإنسان ، حسية - تجريبية كانت ، أم عقلية - برهانية ، أم حدسية - عرفانية : أكان ذلك بالتفكّر الظاهر أم بالكشف الباطن . وهذا ما يفسّر لنا غنى مصطلحاته للدلالة على هذه البوتقة من المعارف المتواصلة ، وإن تقاطعت عند حدود المعقول واللامعقول بطبيعتها . فالإدراك مثلا حسي وخيالي وعقلي ، لكنه مقرون أحيانا بالمشاهدة الحقة ، يقول : « الإدراك شيء والمشاهدة الحقة شيء ؛ والمشاهدة الحقة تالية للإدراك إذا صرفت الهمّة إلى الواحد الحق وقطعت عن كل خالج وعائق به ينظر إليه . . . وهذا الأمر لا ينبئك عنه إلا التجربة ، وليس مما يعقل بالقياس » « 1 » . * * العلوميات الممنهجة والتجربيات إذا كانت العلوم المعاصرة قد تجاوزت بأشواط ( سيما في ميداني الطب والمنطق ) مادة العلوم القديمة ونتائجها ، فإن موسوعية ابن سينا وشمولية دراساته ، ومنهجيته الوصفية ، تبقى حاضرة أمامنا لتكوّن منطلقا نستعين به في دراسات فكرية وحكمية مماثلة . فالتنظيم والموضوعية في تشريحه الأبحاث الفكرية وتجزئتها وتنسيقها ، أمور نخالها طبعت مؤلّفاته على مختلف مستوياتها . إن التحليل والتفصيل ، التفكيك والتفريع طغيا على تقسيم ابن سينا مواضيعه إلى نهوج وإشارات ، وكل إشارة تكوّن فصلا يعالج جزءا من الموضوع العام ( كما في الإشارات والتنبيهات بنوع خاص ) . كذلك فهو يفصّل الموضوع الواحد إلى جزئياته التي تكوّن مختلف معانيه بشكل ثنائي التفريع ( Dichotomique ) . فالقياس مثلا مقسّم إلى ضروري وممكن ، والمطلق منه إلى اقتراني واستثنائي ، والشرطي إلى متّصل ومنفصل إلخ . . .

--> ( 1 ) راجع للمزيد من التفصيل في مجال المعرفيات السينوية كتابنا « ابن سينا - حضوره الفكري بعد ألف عام » سلسلة قادة الفكر ، بيروت ، دار المشرق ، الطبعة الثانية ، 2000 .